ابراهيم بن عمر البقاعي

39

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

من الأمر بالإخلاص في عبادة الخالق والإعراض عن الشرك ، فعلى كل ذي علم إذا احتاج إلى سؤاله أحد أن يقدم على جوابه نصحه بما هو الأهم له ، ويصف له نفسه بما يرغبه في قبول علمه إن كان الحال محتاجا إلى ذلك ، ولا يكون ذلك من باب التزكية بل من الإرشاد إلى الإئتمام به بما يقرب إلى اللّه فيكون له مثل أجره : لا يَأْتِيكُما أي في اليقظة طَعامٌ وبين أنه خاص بهما دون أهل السجن بقوله : تُرْزَقانِهِ بناه للمفعول تعميما إِلَّا نَبَّأْتُكُما أي أخبرتكما إخبارا جليلا عظيما بِتَأْوِيلِهِ أي به وبما يؤل ويرجع إليه أمره . ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه وبين الطعام الذي قبله ، نزع الخافض فقال : قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما أي أخبرتكما بأنه يأتيكما طعام كذا ، فيكون سببا لكذا ، فإن المسبب الناشئ عن السبب هو المال . ولما وصف نفسه من العلم بما يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب التي حصل له ذلك بها ليصير مثله أو يقرب منه ، وكان محل أن يقال : من علمك ذلك ؟ قال مرشدا إلى اللّه داعيا إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من الطمع في الفضل : ذلِكُما أي الأمر العظيم ؛ ونبه على غزارة علمه بالتبعيض في قوله : مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي أي الموجد لي والمربي لي والمحسن إليّ ، ولم أقله عن تكهن ولا تنجيم ، فكأنه قيل : ما لغيرك لا يعلّمه مثل ما علمك ؟ فقال معللا له مطمعا كل من فعل فعله في فضل اللّه ، مؤكدا إعلاما بأن ذلك أمر عظيم يحق لمثله أن يفعل : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ أي وإن كانوا أقوياء على محاولة ما يريدون ، فلذلك قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية الآيات الشاهدة لي ، ونبه على أن ذلك لا يقدم عليه إلّا من لا يحسب العاقبة بوجه ، فقال : لا يُؤْمِنُونَ أي يجددون الإيمان لما لهم من العراقة في الكفر بِاللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا يخفى أمره على ذي لب من أهل مصر وغيرهم ؛ ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي لا يغنى فيه أحد عن أحد ، منبها على أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن كل خير ، فقال مؤكدا تأكيدا عظيما ، إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من يسمعه ، ولا يصدقه ، لما على الآخرة من الدلائل الواضحة جدا الموجبة لئلا يكذب به أحد : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي الدار التي لا بد من الجمع إليها ، لأنها محط الحكمة هُمْ أي بضمائرهم كما هم بظواهرهم ، وفي تكرير الضمير تنبيه على أن هؤلاء اختصوا بهذا الجهل ، وأن غيرهم وقفوا على الهدى كافِرُونَ أي عريقون في التغطية لها ، فلذلك أظلمت قلوبهم ، فكانوا صورا لا معاني لها ؛ والملة : مذهب جماعة يحمي بعضها لبعض في الديانة ، وأصله من المليلة ، وهي حمى تلحق